توضح الكاتبة بياتريس بيستولا أن تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يدفع الشرق الأوسط نحو أزمة إقليمية أوسع، ويضع مصر أمام تحديات سياسية واقتصادية معقدة. تراقب القاهرة التطورات بقلق، لأن الصراع لا يرتبط فقط بالتصعيد العسكري، بل يمس استقرار الدول العربية وأمن الأسواق الإقليمية والتوازن الجيوسياسي الهش في المنطقة.


ينشر المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية تحليلاً يرى أن القاهرة تتعامل بحذر واضح مع الأزمة. تعبر مصر عن قلقها من اتساع الصراع، لكنها تدين أيضاً الهجمات التي تستهدف دول الخليج. يعكس هذا الموقف الضغوط المتعددة التي تواجه السياسة الخارجية المصرية، إذ تربط القاهرة علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع دول الخليج مثل السعودية والإمارات، إضافة إلى وجود سلام حذر مع إسرائيل وعلاقة براجماتية تاريخياً مع إيران.

 

أكد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي خلال إفطار القوات المسلحة السنوي دعم مصر الكامل لدول الخليج، واعتبر أن ما تفعله إيران يشكل انتهاكاً لسيادة الدول العربية. وأشار أيضاً إلى اتخاذ مصر احتياطات ضرورية لحماية أمنها، مع إبداء الثقة في قدرة البلاد على تجاوز تداعيات الأزمة.


ارتدادات اقتصادية


يحمل التصعيد العسكري تداعيات اقتصادية واضحة بالنسبة لمصر. يحذر السيسي من أن الأزمة بدأت بالفعل تؤثر في أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم.


ينقل هذا المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي اضطراب في حركة السفن يرفع أسعار الطاقة سريعاً. تعني هذه الزيادة ارتفاع تكلفة واردات الطاقة بالنسبة لمصر، ما يضيف ضغوطاً جديدة على اقتصاد بدأ بالكاد يتعافى بعد سنوات من الأزمات الإقليمية والاقتصادية.


تؤثر الأزمة أيضاً في قطاعات اقتصادية رئيسية داخل مصر. يؤدي تراجع النشاط الملاحي نتيجة التوترات إلى انخفاض حركة السفن في قناة السويس، وهي أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في البلاد. وفي الوقت نفسه يضيف توقف صادرات الغاز الطبيعي الإسرائيلية مزيداً من الضغط على قطاع الطاقة المصري.


تواجه القاهرة أصلاً تحديات في تلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة، لذلك تعتمد على استيراد الغاز الطبيعي المسال لتجنب نقص الكهرباء. ومع توقف إمدادات الغاز الإسرائيلية تضطر الحكومة إلى إعطاء الأولوية للاستهلاك المحلي، ما يدفعها إلى وقف إمدادات الغاز التي كانت تمر عبر خط الغاز العربي إلى لبنان وسوريا.


يحذر محللون اقتصاديون من أن استمرار الصراع قد يبطئ تعافي الاقتصاد المصري، خصوصاً إذا ترافق مع تراجع عائدات قناة السويس وارتفاع تكاليف الطاقة. وقد يعقّد هذا الوضع أيضاً جهود الإصلاح الاقتصادي التي تنفذها الحكومة ضمن برنامجها مع صندوق النقد الدولي.


يشكل قطاع السياحة بدوره ركناً أساسياً في الاقتصاد المصري، إذ يسهم بنسبة تقارب 8 إلى 8.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح في عام 2025، وهو رقم قياسي ساعد على زيادة تدفقات العملة الأجنبية وتعزيز النمو الاقتصادي. لكن تصاعد التوترات في المنطقة قد يثني السياح عن السفر إلى الشرق الأوسط، ما يهدد هذا القطاع الحيوي.


تأثيرات مرتبطة بدول الخليج


ترتبط مصر اقتصادياً بدول الخليج ارتباطاً وثيقاً، لذلك يترك أي اضطراب في تلك المنطقة تأثيراً مباشراً داخل الاقتصاد المصري. يعيش ملايين المصريين ويعملون في دول الخليج، بينهم نحو مليون ونصف في السعودية ومئات الآلاف في الإمارات وأكثر من ستمئة ألف في الكويت.


يرسل هؤلاء العمال تحويلات مالية ضخمة إلى مصر، وتعد هذه التحويلات أحد أهم مصادر العملة الأجنبية. بلغت قيمة التحويلات نحو 37.5 مليار دولار في عام 2025، وهو رقم كبير يدعم الاقتصاد المصري ويعزز الاستقرار المالي.


لكن التوترات العسكرية تعطل حركة السفر في المنطقة، ما يؤثر في تنقل العمال بين دول الخليج. ولهذا تنسق السلطات المصرية مع السعودية للسماح للمصريين الذين يصلون براً من دول خليجية أخرى بالحصول على تأشيرات دخول طارئة كي يتمكنوا من المغادرة عبر المطارات السعودية والعودة إلى مصر.


وقد يؤدي اتساع الحرب أيضاً إلى إضعاف اقتصادات الخليج نفسها، ما قد يقلل من حجم الاستثمارات والدعم المالي الذي قدمته دول مثل السعودية والإمارات لمصر خلال السنوات الماضية.


تداعيات دبلوماسية


تحاول مصر منذ عقود الظهور كقوة استقرار داخل العالم العربي، وتؤكد دائماً ضرورة توحيد الموقف العربي لحماية الاستقرار الإقليمي والدفاع عن المصالح المشتركة. ولعبت القاهرة تاريخياً دور الوسيط في كثير من النزاعات الإقليمية، مستفيدة من ثقلها الدبلوماسي وموقعها الجغرافي.


قاد هذا الدور مصر إلى رعاية مبادرات سياسية متعددة، مثل الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، إضافة إلى استضافة مبادرات دبلوماسية مهمة مثل مذكرة شرم الشيخ.


لكن الحرب الحالية تضع هذا الدور تحت ضغط كبير. تحتاج القاهرة إلى موازنة دورها التقليدي كوسيط مع ضرورة الوقوف إلى جانب شركائها الخليجيين الذين أصبحوا خلال العقد الأخير شركاء اقتصاديين وسياسيين بالغَي الأهمية.


كما تؤثر العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في حسابات السياسة المصرية. ترتبط القاهرة بواشنطن بعلاقات تعاون عسكري وأمني منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ما يجعل الولايات المتحدة أحد أعمدة السياسة الخارجية المصرية.


في المقابل بقيت العلاقات مع إيران محدودة منذ قطع العلاقات عقب الثورة الإيرانية عام 1979 وتوقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، إضافة إلى استضافة القاهرة لشاه إيران بعد سقوطه. ومع ذلك تعود قنوات الاتصال أحياناً بين الجانبين في محاولة للحفاظ على قدر من الحوار.


تضع هذه المعادلة مصر في موقع معقد خلال الأزمة الحالية؛ إذ تميل سياسياً إلى دعم شركائها الخليجيين والتعاون مع الولايات المتحدة، لكنها تحاول في الوقت نفسه تجنب مواجهة مباشرة مع إيران والاستمرار في الدعوة إلى خفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

 

https://www.ispionline.it/en/publication/the-gulf-crisis-through-egypts-eyes-232006